صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

350

شرح أصول الكافي

لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ « 1 » قال حتى يعرفهم ما يرضيه وما يسخطه وقال فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها « 2 » قال بين لها ما تأتى وما تترك وقال إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً « 3 » قال عرفناه اما آخذوا ما تارك وعن قوله وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى « 4 » قال عرفناهم فاستحبوا العمى على الهدى وهم يعرفون وفي رواية بينا لهم » . الشرح لما كان من دأب الرحمة الرحمانية والعناية الربانية ان يصدر عنه اقسام الموجودات وأنواع الكائنات على أكمل ما يتصور في حقها ، وان يعطى لكل نوع بعد اعطاء الوجود ما يحفظ به كماله الأول ويستدعى كماله الثاني كما قال تعالى : رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى « 5 » ، أشار إلى أنه اعطى أصل وجوده وطبعه ثم أفاد له أيضا ما يتهيأ ويهتدى به إلى فضيلة زائدة من القوى والآلات ، فلكل نوع من أنواع المكونات اعطى من خزائن رحمة الله ما يستعد به للوصول إلى ما هو خير له وسعادة بالنسبة إليه ويحترز وينفر عما هو شر وشقاوة له . ولا شك ان الانسان اشرف هذه الأنواع فإيتاء ما يستطيع به لطلب ما هو الخير والسعادة له أولى وأوجب ، لكن لما كان كماله الخاص به امرا متميزا عن كمالات سائر الأنواع الحيوانية من مأكول شهى أو مشروب هنىء أو منكوح بهي أو غلبة على بنى جنس أو غيرها من كمالات البهائم والسباع فليس خيره وسعادته مما يوجد في هذا العالم ، بل كماله وخيره في العلم والطّهارة اى التجرد عن الدنيا وما فيها والتقرب إليه تعالى وملكوته الاعلى ، فيجب في العناية الربانية ان يعطيه ما يهتدى به إلى سبيل سعادته وطريق نجاته بان يعرف أولا ولو بوجه من الوجوه ما الا له وما الملكوت وما الآخرة وما الأولى وما السعادة وما الشقاوة حتى يمكنه السعي والسلوك إلى سعادته الأخروية .

--> ( 1 ) . التوبة / 115 ( 2 ) . الشمس / 8 ( 3 ) . الانسان / 3 ( 4 ) . فصلت / 17 ( 5 ) . طه / 50